
رواية الم الفقدان 1

الجزء الاول ح 1 ح 2 ح 3
الجزء الثاني ح 4 ح 5 ح 6
الجزء الثالث ح7 ح 8
الحلقة 1
بقلم طارق اللبيب ..
كان اسمها سارة،
موظفة هادئة تعمل في بنك صغير في وسط المدينة.
كانت كل صباح تجلس خلف مكتبها الخشبي، ترتّب الأوراق، وتراجع معاملات الزبائن بابتسامة لطيفة، لكنها ابتسامة "بروتوكولية" لا تحمل روحًا حقيقية.
في داخلها كان هناك فراغ كبير… مساحة من الوحدة لا يعرفها أحد.
وفي الجهة المقابلة للبنك، كان هناك قسم شرطة صغير.
وفي كل يوم، يمر شرطي اسمه طارق أمام زجاج البنك، بزيّه الأزرق، وقامته المستقيمة.
يمشي بخطوات ثابتة وكأنه يحمل العالم بقدر من الهدوء لا يتزعزع.
أول مرة رأته كان فقط قدرا …
لكنه منذ تلك اللحظة أصبح حضورُه جزءًا من صباحها.
كانت تراقبه من خلف الزجاج دون أن يلاحظ.
هو يمشي… وهي تبتسم دون أن يشعر.
كانت تحب شيئًا فيه لا تعرفه:
ربما ثباته، أو هدوء خطواته، أو نظرته المطمئنة عندما يساعد الناس في الشارع.
كانت تحبه دون أن تتفوه بكلمة واحدة.
حب هادئ… يشبه الصلاة.
كان عشقا طاهرا مثل ملابس الاحرام ..
---
وذات يوم، حدث شيء غيّر كل شيء.
دخل رجل البنك. كانه لم يكن مستقر نفسيا ..
واثار ضجة عظيمة . وضرب احد الموظفين بحجة تأخير المعاملة .
وتجمع العملاء والموظفين ولم يستطيعوا السيطرة عليه.
.
وفجأه اخرج من ملابسه سكينا.. فتفرق الناس وعم الخوف ..
وأصبح الموت يحوم في صالة الانتظار..
.
فجأة دخل طارق لم يكن يحمل سلاحا.
قال للرجل: اهدا .. ما ح نأذيك . خت السكين على الأرض.
وكان طارق يضع يده خلف ظهره كانه يريد أن يخرج سلاحه..
وضع الرجل السكين على الأرض بكل سهوله .. واستسلم ..
فقال له طارق اجلس وانتظر دورك ..انا ما ح اعتقلك انت ما اذيت انسان ..
اخذ طارق السكين ..
كانت سارة ترتعش ويداها ترتجفان..
.
نظر اليها طارق وقال بصوت خافت انتي كويسة؟
لم تجب ولكنها أنزلت دمعتين شرحت بهما كل شئ
بعد أن هدأ كل شيء، اقترب طارق منها وسألها بلطف:
هدأت شكلك صاح؟
لم تستطع الإجابة.
صوتها كان محاصرًا في قلبها.
فابتسم وقال:
"أنابشوفك كل صباح من هنا… كنت دائمًا بتمنى أقول شيئً… لكن الظاهر أنو القدر اختار لينا طريقة درامية جدًا."
ضحكت.
ضحكت كما لم تضحك منذ سنوات.
ثم قال:
"اذا ماعندك مانع بعد الدوام عازمك على كباية عصير ؟"
وبصوت خفيف مرتجف… قالت:
"كويس حاضر "
..
لم يكن هذا الحب حتى الان صاخبًا…
كان حبًا يشبه ضوء الفجر: هادئًا، واضحًا، صادقًا.
هي لم تعد تراقبه من خلف الزجاج.
كان يمشي إلى البنك… ويمشي إلى قلبها مباشرة.
كان رجلأ مثاليا .. ليس فيه ما يقال ..
ولا تخترق كلمة (لكن) الثناء عليه ..
مرت أسابيع منذ كباية العصير الأولى.
أصبح طارق يزور البنك كل يوم ليس كشرطي… بل كرجل يحب امرأة.
وكانت سارة تنتظره، ليس على كرسيها الوظيفي… بل على أعتاب قلبها.
ومع الوقت، صار الناس يلاحظون.
زميلاتها يتهامسن بابتسامة:
"العسكري جا… شوفو عيونها كيف بتتغير!"
وكانت سارة تخجل… لكنها كانت سعيدة.
سعادة صافية مثل الماء الذي لم تمسه يد.
---
ولكن…
كل حب يأتي ومعه امتحانُه.
ذات مساء، كان طارق متعبًا جدًا.
جلس معها في مقهى صغير مطل على النيل، وظل صامتًا.
لم يكن صمته عاديًا هذه المرة.
فقالت برقة:
"مالك؟"
تنهد ببطء، كأن صدره يحمل جبلاً:
شعرت بخوف يشق قلبها ويخترق باطنه ..
خافت من الكلام الاتي ..
رواية الم الفقدان 2
الحلقة 2
بقلم طارق اللبيب
لم يكن السؤال مفاجاً
تنهد طارق.. ثم نظر بعيدا.
وقال.
المهددات الأمنية الموجودة في
البلد دي.. مخيفه يا سارة.
ناس ٩ طويله والعصابات ألفي أطراف العاصمه.
جنوب الخرطوم.
العزبه بحري.
غرب امدرمان.
في حاجات كدا. تخليك تتأكدي انو في عمل ممنهج لتخريب البلد..
كانت سارة تنظر اليه وهو يتحدث.. اعحبتها لباقته وفصاحة لسانه. وطريقته وهو يتكلم.
ولكنها لم تنتبه أو تركز في محور النقاش..
لقد وجدت ان الشي الذي يحزنه ويقلقه. لا علاقة له به.. ولابها. ولا بالعلاقه التي بينهما .
.. كانت تتبسم وهي تنظر اليه..
حانت منه إلتفاته. فوجدها في عالم خارج منظومة الموضوع.
فغير محور الموضوع سريعا..
ابتسم معها..
لم يلمها على سباحتها في بحار العشق.
وبُعدها عن شواطئ الموضوع ومدار السؤال..
كان يعشقها كماهي.. يتقبلها بكل تقلباتها وسذاجتها
وفي انعطاف مفاجئ قال لها؛
ساره نحن لازم نتزوج سريع
ردت عليه بدون تفكير..
وانا منتظراك بس تقول (بغم) .
بكسر الباء وكسر الغين.. أي تنطق ببنت شفه.
وبدأ التخطيط والترسيم لوضع اللبنات الأساسية لمملكة العشق الأبدية..
بالعودة لموضوع التفلتات الأمنية.. التي عصفت بالبلد قبيل الحرب.. كانت تنذر بأن الدولة على شفا حفرة من النار..
وان مشروع الدمار يطبخ على نار هادئة..
بعد ليلتين من هذه المحادثة.
خرج الملازم شرطه طارق في مداهمة لاوكار جريمة..
كانت مداهمه ليليه مسرحها. في طرف من أطراف العاصمة التي كانت تنام بهدوء..
ولاتعلم ما ينسج حولها من خيوط المؤامرات..
مؤامرات في الغرف المغلقه..في مباني السفارات الاجنبيه. والاقليميه..
وصالات الاستقبال في الفنادق الباردة ..
على كل كانت حمله المداهمة مكونة من ١٢ عشرة فردا من الشرطة..
وخمس أفراد من الاستخبارات وضابطين..
ولما دخلت سيارات الشرطة وتوغلت في الحي المستهدف قذفهم المجرمون بالزجاجات الحارقة.
فانحرفت السيارة التي كان يستقلها طارق.. وتعرضو لحادث مؤسف قبل أن تصل الحمله إلى هدفها..
كان هذا الحادث في التاسعه ليلا.
سارة كانت تتصل على طارق وهي لا تعلم ماحدث..
تتصل ولا إجابة.. وكررت الاتصال أكثر من مرة بغير رد..
وفي آخر اتصال لها.. وجدت ان الرقم مغلق أو خارج التغطية..
أصابها غضب شديد..
وعصف بها التفكير..وهي تخاطب نفسها..
(اصلا انا متسرعة. اصلا الرجال هم كدا.. الواحد اول ماتحبيه وتتعلقي بيه.. يتلاشى من حياتك كانه ماكان..
أخذها الغضب من يديها.. ورماها في بحر من الظنون والأوهام.
وألف لها الشيطان روايات مليئة بالغدر والخيانه..
فباتت في اسوء حال.. لم تذق فيها طعم النوم الهادئ.
أصبح الصباح
واول ما فتحت عينيها التقطت الهاتف ونظرت..
فلم تجد لا اتصال ولا رساله فشعرت بجمرة من نار تتقد في قلبها وبدون تردد
فتحت تطبيق المراسلة واتس اب..
وكتبت.. اسمح لي اقول ليك.. انت مستهتر. وماعندك تقدير وشكرا على كل شى.
ذهبت سارة إلى عملها وهي في قمة الاستياء.
واصرت انها بعد هذه الرساله .
لن تتصل عليه ولن تسأل عنه بل ستتركه في حال سبيله..
لاحظ الموظفون زملاؤها وزميلاتها.. الحالة الكئيبة المرسومة على وجه سارة..
فتهامسوا وبعضهم غمز ولمز. وكتبوا تقارير هم بإشارات العيون. وتعبيرات الوجوه . وسكتوا.
وبعد ساعة فقط من جلوسها ومتابعة عملها..
دخل عليها مدير الفرع..
- سلام عليكم سارة..
- عليكم السلام استاذ محمد.
-لو سمحت ياسارة تعالي لي المكتب..
خفق قلبها بسرعة كمالم يخفق من قبل..
فهذه اول مرة يناديها المدير ألى مكتبه..
وكان وجهه لايحمل خيرا.. .. ولم تفكر سارة ولو للحظة. ان الخبر كان يتعلق بطارق..
كانت تظن انه ربما توبيخ. أو ملامه.. من المدير في خطأ محدد ارتكبته اثناء العمل وهي لا تعلم ..
لحقت به سريعا كان يجلس واضعا كلتا يديه على
طاولة مكتبه الزجاجيه.وقال لها؛.
اجلسي ياسارة.. جلست بحركة بطيئه ونظرة متوجسة..
نظر اليها بشفقة شديدة. وقال اشربي الموية دي..
شربت قليلا جدا.. ووضعت الكوب.بهدوء حذر..
وهي تنظر إلى المدير بذات التوجس ونظرات غريبه..
الى اللقاء
الي اللقاء
رواية الم الفقدان 3
الحلقة 3
بقلم طارق اللبيب
كان محمد عبد الغني مدير الفرع .
يعرف جنابو طارق وكان حاضرا يوم المشكلة التي حدثت في البنك.. وتدخل طارق وحل كل شيء بكل لطافة ..
يعرف محمد بعلاقة طارق بسارة ..
وعلى كل الأحوال. كانت علاقتهما ظاهرة لكل من يعمل في البنك. لكثرة تردد طارق على سارة ..
فالذي حدث هنا .. والحوار الذي دار في مكتب المدير.
قال المدير لسارة.
سمعتي بخبر الحادث؟
قالت له.... ابدا.. حادث شنو؟
قال لها بعبارات متسارعة :-
(جنابو طارق) معاهو زملاهو أتعرضو لحادث امبارح بالليل..
تلات اتوفو والباقين مصابين
الأن في مستشفى الشرطة
قالت له... وطارق؟
قال. مصاب والله في غيبوبه
انا جيت منهم قريب الصباح.
وقريبنا كان معاهم في نفس الحادث ..
سارة شعرت بأن برميلا من الماء المثلج صُب على راسها. أظلمت عيناها.. ورات ان المكتب يدور من حولها.. والكرسي الذي تجلس عليه ينخفض ويرتفع. كأنها تركب لعبة الساقيه بسرعة فائقة.
سكتت.. واضعةً يدها على فمها .وهو مفتوح. والدموع تتناثر على وجهها بغير توقف..
أرادت ان تقوم, فلم تستطع.رجلاها ميتتان.. جسدها منحل.. انهارت روحيا وجسديا..
فقط تكرر. لاحول ولا قوة الا بالله. .اخيرا نهضت تترنح..
وقالت له اسمح لي استاذ محمد. ماشه المستشفى.
فسمح لها بكل شفقة. انطلقت سارة إلى مستشفى الشرطة.
كانت التاسعة والنصف صباحا.
دخلت عليه وكان كما الميت.. معه في الغرفه اخته وعمته.. وهو في هذه الغيبوبة منذ إحدى عشرة ساعه.
نسيت سارة ان تسلم علي الموجودات . جاءت راكضة إلى سريره مباشرة. وهي تبكي وتنادي باسمه . العمة والاخت وممرضة كانت تحقن دواء في عبوة محلول وريدي معلقة و موصولة بيده .. الجميع ينظر الى سارة في استغراب وهي تتكلم معه. طارق.. طارق
الحصل شنو ياطارق ؟
فلم يجبها بالطبع .. فالتفتت الى اخته. لأول مرة تراها. عرفتها لان الشبه بينها وبين طارق لايخفى ..
وقالت لها ح يقوم متين طارق ؟
لم ترد عليها فقط بكت هي الأخرى .. نظرت سارة الى الممرضة وقالت لها .. (حالتو كيف يا اختي) ؟
قالت لها بجيكم الدكتور بعد شوية .
لما خرجت الممرضة ابتعدت سارة عن السرير واطبقت يديديها على صدرها وهي تنظر اليه ..
اسراء شقيقة طارق تنظر إلى سارة وهي تتساءل ..
معليش ماعرفتك انتي منو؟
اخذت سارة نفسا عميقا متقطعا ..ثم قالت.. انا شغالة في البنك الجنب القسم طارق جارنا .
وصديق الكل ..
اسراء هي شقيقة طارق الوحيدة حصيفة. ويتوقد الذكاء من عينيها ..
قالت لها ( انتي سارة؟)
سارة اندهشت وعلمت ان طارق اخبر اخته عنها .. فنظرت اليه وهو في الغيب .وهزت راسها بالإيجاب .. وبكت مرة أخرى ..
..
مرت الأيام طويلة وثقيلة في المستشفى ..
كان طارق مصابا بكسر في اعلى الحوض . وتهشم في فقرات اسفل العمود الفقري ..
واصيب في راسه بنزيف داخلي.
وكانت حياته تحدي عظيم .. وتقرير الطبيب انه حتى لو نجا من الموت. لن يستطيع الوقوف على رجليه مرة أخرى الا بمعجزة ربانية ..
واستدرك قائلا النزيف الحمد لله قدرنا نتعامل معاهو..
كانت سارة تتردد على المستشفى بشكل شبه يومي. وبعد سبعة عشر يوما..
بدا طارق يفتح عينيه ويحركهما يمينا وشمالا وينظر الى من حوله..
استيقظ طارق من غيبوبته بعد أيام طوال..
والفرحة لم تسع سارة واسراء اللتان أصبحتا صديقتين جمعتهما هذه المحنة.
فقد تحسنت حالته.. يتكلم. يحرك يديه.. يجلس لكن النصف الأسفل من جسمه لا حركة فيه.
قال لها يوما. وهي تجلس أمامه يوم جمعة صباحا..
ياساره.. أنا شاعر برجلي الاتنين مافي.. كاني نصف بشر .. لا شاعر بيهم ولا متالم بس تقل من نصي ولتحت..
ياسارة انا شكلي ح اعيش حياتي على كرسي متحرك..
لو بتعزيني.. ماتدمري حياتك معاي. انتي بت صغيرة. والمستقبل قدامك.. شوفي حياتك اتزوجي وجيبي أطفال .. يبهجو حياتك..
انا خلاص لحدي هنا. مشواري في الحياة وقف.
الى اللقاء
اجزاء رواية الم الفقدان
الجزء الاول
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق