
الموت يغيب الفنانة سمية الالفى
غيب الموت صباح يوم السبت الفنانة المصرية القديرة سمية الألفي عن عمر ناهز 72 عامًا، بعد صراع طويل ومرير مع المرض، لتسدل الستارة على رحلة فنية وإنسانية امتدت لأكثر من خمسة عقود، كانت خلالها واحدة من الوجوه النسائية المضيئة في الدراما والسينما المصرية، واسمًا ارتبط بالأدوار الهادئة والعميقة التي تلامس وجدان المشاهد دون ضجيج.
جاء رحيل سمية الألفي بمثابة صدمة حزينة لجمهورها ومحبيها، خاصة أنها كانت بعيدة نسبيًا عن الأضواء في السنوات الأخيرة بسبب ظروفها الصحية، مكتفية بحضور إنساني دافئ في حياة أسرتها وأقرب المقربين منها، ومتابعة المشهد الفني من بعيد.
النشأة والبدايات الأولى
وُلدت سمية الألفي في 23 يوليو 1953 بمحافظة الشرقية، في بيئة مصرية بسيطة شكّلت وعيها الإنساني مبكرًا، وهو ما انعكس لاحقًا على اختياراتها الفنية وأسلوبها في الأداء. درست علم الاجتماع، وهو تخصص منحها قدرة واضحة على فهم الشخصيات البشرية وتعقيداتها النفسية والاجتماعية، الأمر الذي ظهر جليًا في أدوارها المتنوعة.
لم يكن اتجاهها إلى الفن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة شغف مبكر بالتمثيل، دفعها إلى خوض التجربة في سبعينيات القرن الماضي، وهي فترة كانت تشهد ازدهارًا كبيرًا في الدراما التلفزيونية والمسرح المصري.
الانطلاقة الفنية وترسيخ الاسم
كانت انطلاقتها الحقيقية عبر التلفزيون، حيث لفتت الأنظار بسرعة بفضل ملامحها الهادئة وأدائها الرصين. ويُعد مسلسل أفواه وأرانب من أبرز الأعمال التي شكّلت نقطة تحول مهمة في مسيرتها، إذ شاركت فيه إلى جانب نخبة من عمالقة الفن المصري، مثل محمود ياسين، فريد شوقي، و**فاتن حمامة**.
هذا العمل لم يكن مجرد مشاركة عابرة، بل شهادة مبكرة على موهبة فنية قادرة على الوقوف بثبات أمام نجوم الصف الأول، وهو ما فتح لها أبوابًا واسعة للمشاركة في أعمال أخرى متنوعة بين السينما والمسرح والتلفزيون.
مسيرة حافلة وأعمال خالدة
على مدار سنوات طويلة، قدّمت سمية الألفي عشرات الأعمال التي تنوعت بين الدراما الاجتماعية والتاريخية، ونجحت في تجسيد أدوار المرأة المصرية بمختلف حالاتها، من الأم الحنون، إلى الزوجة الصابرة، إلى المرأة القوية التي تواجه تحديات المجتمع.
من أبرز الأعمال التي رسخت مكانتها في ذاكرة المشاهدين:
ليالي الحلمية
بوابة الحلواني
الراية البيضاء
منشية البكري
علي بيه مظهر و40 حرامي
لدينا أقوال أخرى
القرداتي
تميّزت أدوارها بالصدق والبساطة، ولم تكن من الفنانات اللاتي يعتمدن على البطولة المطلقة بقدر اعتمادها على جودة الدور وأهميته داخل السياق الدرامي، وهو ما منحها احترام النقاد والجمهور على حد سواء.
الحياة الشخصية والأسرة الفنية
على الصعيد الشخصي، ارتبط اسم سمية الألفي بالفنان الراحل فاروق الفيشاوي، أحد أبرز نجوم السينما المصرية، وشكّلا معًا ثنائيًا فنيًا وإنسانيًا لافتًا، رغم ما مرّت به علاقتهما من محطات صعبة.
وهي والدة الفنان أحمد الفيشاوي، الذي عبّرت مرارًا عن فخرها به، وحرصت على دعمه في مسيرته الفنية، رغم الجدل الذي أحاط ببعض مراحله.
صراع مع المرض وظهور أخير مؤثر
عانت سمية الألفي خلال السنوات الأخيرة من متاعب صحية أجبرتها على الابتعاد عن التمثيل، لكنها واجهت المرض بصبر وقوة، مكتفية بدور الأم والجدة، ومحتفظة بعلاقة دافئة مع الوسط الفني.
وكان آخر ظهور لها مؤثرًا وإنسانيًا، حين حرصت على زيارة كواليس تصوير فيلم سفاح التجمع، دعمًا لابنها أحمد الفيشاوي. وقد نشر المؤلف والمخرج محمد صلاح العزب صورًا من الزيارة عبر حسابه على فيسبوك، وهو الظهور الذي بدا بمثابة وداع صامت لجمهورها.
إرث فني وإنساني باقٍ
برحيل سمية الألفي، تفقد الدراما المصرية واحدة من فناناتها اللاتي قدّمن الفن بروح إنسانية صادقة، بعيدًا عن الاستعراض أو السعي وراء الأضواء. كانت مثالًا للفنانة التي تؤمن بأن التمثيل رسالة، وبأن الدور الصغير يمكن أن يكون مؤثرًا بقدر البطولة.
سيظل اسمها حاضرًا في ذاكرة المشاهدين من خلال أعمال خالدة شكّلت جزءًا من الوجدان الجمعي للمجتمع المصري والعربي، وستبقى أدوارها شاهدة على مرحلة ذهبية من الدراما التي احترمت عقل المشاهد وقدّمت قصصًا قريبة من حياته.
وداعًا نجمة الهدوء والرقي
رحلت سمية الألفي في صمت، كما عاشت فنيًا في هدوء، لكنها تركت أثرًا لا يُمحى. وبرحيلها، يخسر الفن المصري وجهًا أنيقًا، وصوتًا تمثيليًا صادقًا، وإنسانة حملت في مسيرتها الكثير من الحب والتفاني.
تعليقات
إرسال تعليق