من داخل معتقلات الجنجويد
للكاتب أبراهيم محمد علي
( 4 ، 5 ،6 )

„ يموت المرء ألف مره، حين يُكبّل بالحديد، ويرى أهله أذلاء أمام عينه “
الجنجويدي قال ليهم أربطوا لي البت الصغيرة دي في أمها وخلوني أجرها بالعربية دي، النشوف العايز يورينا الرجالة داير يسوي شنو، اللي هي اختي الصغيرة صفية يربطوها في امي ويربطوهم في العربية ويجروهم، يخوانا دا حال إبن أدمين؟
ولا كذب ولا جاملني ولا نظر ليهم بنظره رحمة بالغلط، ربطو صفية في توب أمي من رجولها وربطوا أيادي امي في ضهرها، وربطوا أيادي أمي في العربية من شنكل الخلف، ويلا بنا قال دوّر العربية وقال لي فتّح عيونك كويس، انا قلت علي الأقل ينظر ليهم نظره فيها رحمة، علي الأقل يقول دي امرأة ودي طفلة، للأسف كأنهم بهايم، بدأ يزحلق بيهم في الظلط وفي الميدان، يقطع الظلط بي هنا ويمش مكان الخرسانة والحجار، لا حول ولا قوة إلا بالله، تعذيب ما بعده تعذيب، عنف مشهد ما بعده، انا بتغلغل وبموت من جوه وقلبي بتقطع وبعاين لي أمي ذليلة قدامي، وليد بقى يصرخ ساي من سوء المشهد لأنه قلبه ضعيف ومليان حنيه، أما عن أمي؟
حاضنة صفية، وكلت أمرها لله وأحتسبت بعد ماتت صفاء في حضنها، وما عايزة تفقد صفية، العربية وهي ماشية أمي بترفع صفية من الأرض علي ما تتجرح (تتسلخ) في أزفلت الزلط والخرسانة بتاعت الردمية، يعني صفية علي ضهر أمي، أمي ضحت بروحها عشان صفية ما تصيبها ولا خدشة، العربية كانت لافة حوالي 10 دقائق، العشرة دقائق دي، كل دقيقة وثانية أمي بتفقد قطعة من لحمها وجسمها، لما وقفت العربية، حسبي الله ونعم الوكيل، ضهر أمي بقى علي العظم، الملابس اتقطعت علي جسمها، الجروح باقي لونها أبيض ووصلت العظام، دخلت في غيبوبة وعلي ما أعتقد ماتت بالمره لأنه مافي أي حركة، ملامحها ما ظاهرة اساسًا من أثر الجروح والدم، اما عن صفية، البراءة بتنزل من عيونها دموع ورعب، الطفلة دي اتعذبت أكتر مننا، ماتت أمها وأختها معاها واتعذبت بالعربية لحد ما أنكسر ساقها، وشها مليان غبار، روحها عايزة تطلع لدرجة من شدة البكاء تاخد ليها مسافة فاتحة خشمها حتى تقدر تطلع ليها تنهيده نفس
الوضع مأسوي جدًا وحزين لأبعد حد، أمي وأختي ماتوا قدام عيوني وانا مكبل ما عارف أعمل شنو، الحياة بقت لي ظلام، حسيت أنه انا خلاص تاني مافي حاجة عايز أعيش عشانها، فقلت ليهو أقتلني بعد كدة، مخليني عايش ليه، وأعيش ليه اساسًا، كلامي معاه وانا ببكي وبرجف، قال لي الموت جاييك بس انت ما تستعجل، واحد من الجنود اتحرك علي أمي وصفية مشى فكاهم من الحبال، صفية ما قادرة تقيف بسبب الكسر، مكتفية بالبكاء وامي دي أصلاً بس منتظره الروح تطلع، لا حركة ولا أثر، عبارة عن جثمان
رفعونا انا ووليد في عربية، جدعونا في الخلف، خلو صفية وأمي في الأرض، بقوا لافين بينا في الحلة، وشغالين تصفيات، وكل مره يرفعوا ليهم شاب أو شابين، واخر ما أتوصلوا ليهو (إغتـ.صابات) حسبي الله ونعم الوكيل فيهم، دي وحوش وذئاب، ديل ما بشر، ديل مجردين من الإنسانية، الشاب البرفع رأسة ويتكلم بملوه رصاص وقتي، انا اتمنيت اني اتصفى وأرتاح، لأنه انا متت وشبعت موت من الشايفو قدام عيوني ده، اتكلمت معاهم بصوت عالي، وقليت عليهم ادبي وشتمتهم عشان يقتلوني، بس هم هدفهم يعذبوني كدة
المهم بعد ما عملوا ما عملوا في الحي من قتل ونهب واغص. تصابات الله يكرمكم، جينا بنفس شارعنا اللي هو شارع الميدان، لقيت امي قاعدة علي ركبتيها، ووشها شاحب ومليان دم وخشمها بينزف وقاعده جمبها صفية، قلت ليهم نزلوني هنا، خلوني، يا اما أقتلوني، قالوا لي ما تستعجل قلنا ليك
نزلو أربعة أفراد علي امي، واحد قليل ادب ومفتري قال ليها (أنتي روحك دي روح كلب ولا شنو ما بتموتي) فقام ضربها رصاصة في رأسها، وكان جمبنا شجره نيم كبيره، قام علّقها فيها بتوبها، وربط البريئة صفية في رجول أمي بي طرحتها، يعني شنقهم الأتنين..
يتبع..
____
من داخل معتقلات الجنجويد ( 5 )

„ لقد ضاق بنا الحال “
بعد ما قتلوا أمي وأختي صفية، وعلقوهم في الشجرة، ساء الحال وضاقت الحياة، منظر أنه أمي واخي بتقتلوا قدامي، دا ما حرّك دواخلي وبس، دا قتلني وقهرني أكثر مما هم عملوا فيهم في البداية، كنت بسمع سمع بـ(قهر الرجال) بس ما كنت متوقع أنه فيوم يحصل معاي كدة شخصيًا، اما عن أهل القرية وما هي إلا إبادة جماعية، حرق وتصفيات بالجماعة، بعد ركبوا باقي الأفراد ساقوني انا ومعاي وليد، قالو لينا (الليلة تشوفو الويل يا عيال الفلول) وليد دا محظوظ جدًا لأنه ما شاف الحاصل دا، محظوظ عشان كانت عيونه مغمضة ومربوطة بقطعة سوداء ومكتفي بالصراخ والأنين وباقي حواسة مع خلائق الله الضعيفة دي، أما انا مقهور وعايز أموت وما لاقي
بعد خلاص نضفوا الحلة وعدموها الروح، الشرد شرد والنزح نزح، والمات مات، الجنجويد بدو يطلعوا بعرباتهم ورا الناس الطالعة، في الحقيقة نحن رافعننا معاهم بنشاهد في عمايلهم عينك يا تاجر، بنشوفهم يقتلوا ويصفوا، شفت مشهد قلبي انفطر معاه، شافع ومعاهو أببوه عميان، الشافع دا ماسك يد أبوه عشان يطلعو من المله دي، ماسك يد ابوه عشان يطلعو الصحراء والخلاء من الجنجويد ديل، اثناء ما هو قايد ابوهو من يدو، جاهم تاتشر من الخلف، طلعوا العربية في ضهر الشافع، كسروه، وقتلوه في ثانية، خلوا الأعمي تائه ما عارف يمش وين، أول ما فلتت يد ولدو بقى واقع أرضًا، يهبش في الواطة بفتش علي ولدو، ولدو مرمي منو مسافة والحاج كان بردد (لا حول ولا قوة إلا بالله وحسبي الله ونعم الوكيل) خلوهو في محلو كدة وولده ميت جمبه، الموقف دا انا ما قدرت انساه أبدًا، بقيت كل ما عيوني تغمض بشوف صفاء اختي ميته براها وبجوراها امي وصفية معلقين في الشجرة، بالأضافة لموقف العم الكبير دا وولده، بم انه المشاهد ما بتصدقها العيون والدموم والميادين عباره جثث، ألا ديل أصعب مواقف
وقتها بقينا معاهم في عربيتهم، ماشين، وكل ما يلاقينا قطيع من أهل القرية بقيفو جمبهم بصفوا منهم ما يصفوا ويطردو الباقي بالصحراء والخلاء، عطش، جوع، تعب وقهر والحمدلله، الناس جارية وخايفة من الموت، والموت محاوطهم من كل الجهات، في أخر المطاف الما بموت برصاصة الجنجويد بموت عطش، بموت بالتعب، بموت بالقهر عديل
بقينا ماشين، طلعنا من الحلة وبعتبارنا انا ووليد مأسورين عندهم، دخلونا في غار ما عارف المكان دا اساسًا وين، المكان ده لقينا مليان خلق، فيه مئات وعشرات المواطنين، بعذبوهم طوالي علي مدار الأربعه وعشرين ساعة، الحكاية أشبه بالجحيم واكبر من مجرد تكون رواية خيالية، دا واقع معاش حاليًا وساكن وجدان أي مواطن سوداني
نزلونا معاهم، وضعهم مأسوي جدًا، حالات أمراض وسوء تغذية، حسيت اني في نعيم وانا في صحة جيدة، لكن هم بتحسب أضلاعهم من الضعف وعدم الأكل والعذاب، جاني واحد من قادهم قال لي الوضع دا كيف معاكم؟
فقلت ليه عن ياتو وضع ببتكلم، بقى يضحك، قال لي (انتو لو ما قادرين تحموا نفسكم بتشيلو سلاح ليه) بقيت ساكت، قال لي اها تقعدوا مع الجماعة ديل ولا تطلعوا، فقلت ليهو انا عايز اموت بس، لو عايزني أرتاح اقتلني، وليد دا قال ليهو طلعنا من هنا، انصرف علي وليد، قال لوليد يعني عايز تطلع؟ وليد حرك رأسة بإيجاب وقال ليهو نعم عايز أطلع، قال ليهو خلاص عندك خيارين
يا اما تورينا باقي اخوانك المجاهدين وقاداتهم وين
يا اما تدفع مبلغ 100 مليون جنيه سوداني
يتبع..
من داخل معتقلات الجنجويد ( 6 )

„ إذا أردت النجاة، فأدفع ثمن البراءة “
قالوا لوليد، يا أما تورينا مكان أخوانك المجاهدين، يا أما تدفع 100 مليون جنيه سوداني، المبلغ دا محال تلاقيه في يد شاب سوداني عمره يترواح ما بين 18 سنة، وليد قال ليه بعمري انا ما شفت المبلغ دا، وكيف ومن وين أجيبه، فقالوا ليه أتصل علي أي زول يدفع ليك المهم تتصرف لو إنت عايز بجد تطلع، الفكرة كانت أستفزازية وجبّارة، كيف يعني تدفع بمبلغ بالكمية دي وكيف تكلّف زول يدفع الكمية، ح تقابلوا كيف بعد يطلقوا سراحك، وح تسدد الديون في فترة كم من الزمن؟
ح تدفع دم قلبك!
وليد عنه خال مغترب وعنده شركات ومستقر في أحد دوّل الخليج ، فقرر يتصل ليه أتصل ليهو بتلفون الجنجويدي فأتصل ليه فعلًا وأداهو القصة الحصلت كلها وقال ليهو انا مأسور عندهم ومعاي إبراهيم ود عمي، فقال لي انا تحديدًا تدفع 100 مليون عشان يفكوني، خاله اتضطر بدفع المبلغ وزيادة علي القروش العنده، فقال ليه انا ح ادفع ليكم 100 مليون علي الولدين ديل، 200 مليون كتيرة عشان يطلقوا سراحكم إنت وإبراهيم، الجنجويد أبتسم أبتسامة شرير ورسل رقم حساب لخال وليد، وقتها الأشعارات وصلت بقيمة 100 مليون
الجنجويد فصّل الخط، ورفع المسدس علي رأس وليد، قال ليهو نطلق سراحك علي ياتو أساس؟ وأقنعني أنك ما تمش تكلم القيادات والقوات المسلحة السودانية؟ قال ليهو انت فشلت ونحن ما أغبياء، طلق فيهو رصاصتين متتاليات علي رأسه، وقتله، وقتها انا اصبت غبن وقهر ما بعده، ليه الأستنكاح ده، يعني هو بعد يدفع تمن براءته، جزاءة يكون القتل؟؟ حسبي الله ونعم الوكيل
طيب والخال؟
ح يكون منتظر خبر أبن اخته عشان يتواصل معاه من مكان آمن ومستقر؟
ح يكون شعوره شنو لما يلقى خبر تصفيته؟
الحمدلله علي ما أراد الله بس
دخلوني في ناصية من الغار، أتفاجئت بأجانب (شخصيات غير سودانية) دخلوني جوه ومعاهم مترجمين، وبعض الافراد إماراتيين، قلت ديل الجابهم شنو كمان، وليه وعايزين يعملوا شنو؟ دخلت متوكل علي الله وسلموني ليهم، قالوا للأفراد لحد هنا انت ما قصرتوا وعملتوا واجبكم بعد كده ممكن ترجعوا ودا شغلنا نحن بعد كده
أول واحد فيهم كان تقريبًا كولمبي، صفعني كف، بقى يتكلم وانا ما فاهم منه حاجة، والمترجم بتاعه إماراتي الجنسية، فقلت لي نفسي دي حرب ملعوبة دوليًا، الحكاية دي كلها بتترتب علي وجهه الجنجويد لكن أكتشفت انه وراهم كمية من الدول المعادية لبلادي، بعد ما اداني كف الاماراتي قال لي (والله يا سودانيين، البلد دي تحلموا بيها حلم) بم اني قنعان من حياتي ومسلم امري لله، فقلت ليهو والله انت البتحلم ما نحن، البلد دي بلدنا ونحن الزيك كده ما بهزو شعره منها يا كلب أمر.يكا وإسر.ائيل، قرّب عليّ وقال لي (عندك لسان تتكلم كمان) أمر اتنين من الحرب وقال ليهم (ودوه الإستراحة) الأستراحة دي شفة غرفة في الغار، فيها جميع ادوات التعذيب البشري، رفعوني ودخلوني وهو كان وراي، وكان بردد لي (أخد راحة وتاني نحدد مصيرك) بقلبي كده قلت يمكن يخلوني أرتاح وبكره يصفوني
أول ما قربنا علي الغرفة وكان فيها شعلات نارية مضيئة بأطراف الباب، شكلها ما عجبني أبدًا وقلبي اباهو، اتفاجئت بريحة الدم الطالعة من اول ما وقفنا علي باب الغرفة هم من التلقائي اي واحد فيهم لبس كمامة من الريحة إلا انا، في أسير طلعوه منها قدامي وكان مغمي عليه، وشه مليان دم وباين علي التعذيب
دخلت والعياذ بالله من الحاصل والبحصل في الركن ده، بلاقي أطراف إنسان ودموم وتعفن، وريحة المكان نتنه جدًا وما بتتقابل، قال لي (دا مكان أستقرار ومكان راحتك من اليوم ورايح)
في برميل مليان فحم مولع، وعليهو سيخ طويل في النار، أتناول ليهو سيختين قال لي دا أكلك وشرابك، بقيت أعاين بي عيوني بس وساكت، ربطوني علي كرسي حديدي، والكرسي دا أطرافة حاده لو اتحركت علي كترة بتتجرح، ربطوني وبدو يعذبوني، السيختين رأسهم احمر من كثر السخانه والحرارة، بدأ يقربهم علي جلدي عشان يخوفني بيهم، بدأ يختهم علي جلدي، لصقهم لي علي أكتافي..
يتبع..
#إبراهيم_مُحمد_علي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق