القائمة الرئيسية

الصفحات

ثلاث رصاصات تخترق جسده دفاعا عن عرضه "وليد" ليس مجرد حكاية


 
وليد… جرح الخرطوم الذي صار سلاحًا

في صباحٍ خانق من شهر أبريل 2025، لم تكن الخرطوم تشبه نفسها.
كان حي شمبات، في مدينة بحري، يستيقظ عادة على أصوات الباعة وضحكات الأطفال، لكن ذلك الصباح استيقظ على صوت الرصاص. وليد، الشاب العشريني، كان جالسًا قرب نافذة البيت الطينية يتأمل الشارع الخالي، بينما كانت أمه تُعد ما تبقى من دقيق لإفطارٍ شحيح، وأختاه تجلسان بصمتٍ ثقيل.

لم تكن الحرب قد دخلت بيوتهم بعد، لكنها كانت تقترب بخطواتٍ مدججة بالسلاح.

مع دخول قوات الدعم السريع إلى شمبات، تغيّر كل شيء.
منازل تُنهب أمام أعين أصحابها، أبواب تُكسر، وأصوات بكاء تتسلل من الأزقة. رأى وليد جيرانه يحملون ما خفّ من متاعهم ويغادرون، بعضهم إلى المجهول، وبعضهم إلى موتٍ مؤجل. لكن وليد وأسرته بقوا. لم يكن لديهم مكان آخر يذهبون إليه.

بدأت الاعتقالات.
شباب الحي يُساقون بعنف، تُغطّى أعينهم، وتُكبل أيديهم. كان وليد يعرف بعضهم، لعب معهم كرة القدم يومًا، وتشارك معهم الحلم نفسه. الخوف لم يكن وحده المسيطر، بل العجز أيضًا.

مرت الأيام ثقيلة. الطعام شحيح، والمياه تُجلب بصعوبة، والكهرباء تنقطع لساعات طويلة حتى صار الليل طويلًا ومخيفًا. الأمراض انتشرت، وأم وليد بدأت تضعف. كانت تسعل كثيرًا، جسدها ينهكه المرض، ولا مستشفى تعمل، ولا طبيب يجرؤ على البقاء.

كانت تقول له بصوتٍ واهن:
«احمِ أخواتك يا وليد… لا تتركهن.»

وفي إحدى الليالي، حين كان الظلام كثيفًا، سُمعت طرقات عنيفة على الباب.
اقتحم أفراد من الدعم السريع المنزل بلا رحمة. بنادقهم مرفوعة، وأعينهم لا تعرف الإنسانية. بدأوا بتفتيش المكان، ثم توقفت نظراتهم عند أختي وليد.

اقترب أحدهم أكثر مما ينبغي.
ارتجفت الأختان، وتسمّرت الأم في مكانها، بينما شعر وليد أن شيئًا ما انكسر داخله. لم يعد يسمع صوت الخوف، بل صوت أمه، وكرامة أخواته، ووجع الحي كله.

صرخ في وجههم.
تلاسن معهم، نسي الرصاص، نسي الموت، نسي كل شيء إلا أن هذا بيته.

جاء الرد سريعًا.
صوت طلق ناري، ثم آخر، ثم ثالث.
سقط وليد أرضًا، والدماء تغرق جسده. ثلاث رصاصات اخترقته، لكنه ظل واقفًا للحظة قبل أن ينهار. انسحب المسلحون، تاركين خلفهم جسدًا ينزف، وبيتًا مكسور القلب.

في تلك الليلة، لم يكن أمام الأسرة وقت للبكاء.
حملوه على عربة كارو، تهتز في الطرق الترابية، وكل اهتزازة كانت تزيد ألمه. ثم انتقلوا به إلى “درداقة” صغيرة، تُستخدم عادة في أعمال البناء، تسير ببطء في الظلام، وكأنها تقاوم الموت خطوة خطوة.

كانت الرحلة إلى الدروشاب طويلة ومخيفة.
كان وليد بين الوعي والغيبوبة، يتمتم بأسماءٍ غير مفهومة، بينما كانت أمه تضع يدها على صدره وتدعو.

وصلوا مع الساعات الأولى للفجر إلى الدروشاب، منطقة أكثر أمانًا قليلًا. بحثوا عن طبيب، وسألوا كل من صادفوه، حتى دلّهم أحدهم على مشفى صغير في حي يُسمّى الكبيراب. هناك، في غرفة ضيقة، أُجريت له عملية بدائية، أُخرجت ثلاث رصاصات من جسده، وكأنها اقتُلعَت من قلب الحرب نفسها.

بقي وليد أيامًا بين الحياة والموت.
وحين فتح عينيه، كانت أمه تبتسم رغم الإرهاق. لكنه لم يعلم أن الحرب لا تترك أحدًا يلتقط أنفاسه طويلًا.

انتقلت الأسرة للعيش في الدروشاب، لكن القصف المدفعي من مليشيات الجنجويد لم يترك لهم فرصة. انفجارات تهز الأرض، وصوت الموت أقرب من أي وقت. فقرروا الرحيل مرة أخرى، إلى الولاية الشمالية.

هناك، ساءت حالة الأم.
لم يتحمل جسدها المرض، ولا النزوح، ولا الخوف الطويل. وفي صباحٍ صامت، رحلت.
وقف وليد عند قبرها، لا يملك دموعًا كافية. شعر أن الحرب أخذت منه كل شيء… إلا شيئًا واحدًا: الإرادة.

عاد وليد.
عاد إلى الخرطوم، لا كمدني، بل كمقاتل. انضم إلى الجيش، يحمل بندقيته كما يحمل جرحه. قاتل في الشوارع التي عرفها طفلًا، ومرّ قرب بيته في شمبات، فشعر أن روحه تقاتل معه.

وجاء يوم تحرير العاصمة.
في محيط القصر الجمهوري، أُصيب مرة أخرى. سقط، لكنه لم يستسلم. عولج، تعافى، وعاد للقتال كأن الرصاص صار جزءًا من جسده.

واليوم، وليد في دارفور.
يطارد المليشيات، لا بدافع الكراهية، بل دفاعًا عن وطنٍ علّمه أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع.

وليد لم يعد مجرد اسم…
بل شاهدًا على أن السودان، مهما جُرح، لا يموت.

تعليقات